الأحد، 8 مارس 2009

حدوتة فلسطينية ..

بسم الله الرحمن الرحيم


.. هي مجموعة من القصص .. ليست من نسج الخيال أو بقصص ألف ليلة وليلة ..

ولكنها قصص حقيقية .. عاشها ويعيشها أهلكم في أرض الرباط . وددت أن أوصورها لكم بقلمي

لعلكم تشعرون بهم ..

أنا قصــة وطــن ضــايع .. أنا الصـــرخة المدوية ..

أنا الدمعــة أنا الشمعـــة .. بعتم الليل مضويـــــــة ..

أنا اللي تاهت حــروفي وعــــاش الصمــت في صوتي ..

ونـــــاسي الحـــــلم من خــــوفي ونـــــور عيــوني مطفيـة ..

أنا قصــة وطن ضــايع .. تــــايه بحـــارة وبشارع ..

وشايل الهم بقلبي .. لميـــن أشكــــي الألم فيــــا ..
.............
"يقتــــلون الفــــرح .. يغتــــــالون الحيـــــاة"
"يارب مالنا غيــرك"
هتف أبو صالح بهذه الجملة وهو يستند إلي جذع شجرة .. بعد أن أرهقه العمل في أرضه ..
وأخذ يسترجع بذاكرته معاناة عشر سنين مضت ،
كيف كان يحرص علي شجيراته ويعتني بها كأنها جزء منه .. ويقارع أعداء الله الذين يحاولون الاستيلاء علي أرضه
وتدميرها دوماً ..
كم كان يتمني ويسأل الله لو رزقه بولد يسميه صالح .. يتعهد الأرض ويزرع فيها من بعده ..
.. حرم أبو صالح من الاولاد طوال عشر سنين .. لقد أخذ بكل الأسباب .. لكنها حكمة الله وليس عليه إلا أن يرضي ..
اختفت آخر خيوط الشمس فنهض أبو صالح يلملم حاجاته ليعود لبيته .. ويردد (( اللهم لك الحمد ))
ما إن وصل للبيت .. لم يجد زوجته كما عهدها دوماً .. تستقبله وتحمل عنه أغراضه ..
نادي عليها : يا أم صالح
فأجابته : أنا هنا يا أبا صالح ..
دخل غرفته فوجدها نائمة في الفراش .. وهي تبتسم له ..
قال لها : هل تشتكين من شيء ؟
قالت له : أنا حامل ، لم يصدق أبا صالح أذنيه .. صرخ بها : هل قلت شيئاً ؟
قالت له : أنا حامل ..
وجد دموعه دون أن يشعر تبلل لحيته .. قام فسجد لله شكــراً .. وهو يسأل الله أن يسهل لزوجته حملها
ويتمه علي خير ..
وأخيراً .. بعد عشر سنين .. ها هي أم صالح تأتي بالبشري في أحشائها ..
سيأتي نور عيني .. سأقتات له من دمي .. سأربيه وأنذره لله .. يا الله ما أعظمك ..
في اليوم التالي أخذ أهل القرية يهنئون أبا صالح .. فقد كان محبوباً جداً عندهم .. ويسئلون له السعادة
.. أخيــراً سيأتي صالح يا أبا صالح ..
مرت التسع شهور جميلة جداً .. كان أبو صالح يسرع بالعودة إلي البيت كل يوم ..
ليطمئن علي ولده الذي لم يخرج
للحياة بعد .. يجلس يستمع لنبضاته .. يحس بسكناته وحركاته .. يعد الأيام لحظة بلحظة كي يراه..
وجاء ذلك اليوم ..أم صالح تشعر بألم شديد .. إنها آلام المخاض .. وما هي إلا ساعات حتي سمع تلك الصرخة التي انتظرها
طويلاً .. وحمل أبو صالح ثمرة فؤاده وكبّر في أذنيه (( الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله ..))
ما أجمل هذا الملاك الذي أحمله بين يدي .. يا الله أصبحت الآن أبو صالح حقاً .. كيف أشكرك ربي ..
سوف أوزع الأضاحي لكل الأهل والأحباب ..
غير أن أعداء الله لم يمهلوه كي يفرح بوليده ..
كان أبو صالح في أرضه يعمل وإذ بأصوات المدرعات والدبابات تعلو .. ثم تدخل فتحاصر قريتهم الصغيرة ..
رأي الجرافات وهي تنتزع أشجاره فينخلع قلبه .. تعب السنين كله يذهب في لحظات .. يا لحقارتهم
دوي الانفجارات يصم الآذان .. وهو لا يكاد يجد مكاناً يحتمي به ..
وبعد أن هدأ صوت الموت قليلاً .. أسرع أبو صالح لبيته والألم يعتصر قلبه ..
وما إن دخل بيته وإذ به يجد زوجته تحتضن طفله والدم يملأهما .. وشظية تخترق جسد الطفل الصغير ..
_ماذا حدث يا أم صالح ؟؟ إبننا ما به .. لماذا لا يجبني .. لماذا لا يتحرك ؟؟
يا أم صالح ما هذا الدم ؟؟
تحتضن الأم طفلها بقوة .. وهي تبكي وتردد
_استشهد صالح يا أبو صالح .. استشهد ولدك يا أبو صالح استشهد استشهد ..
صرخ بها : اسكتي يا أم صالح ..
ها هو ولدي سوف يضحك لي ..
سوف ألاعبه وأحمله ..
سآتي له بأجمل الثياب والثمار ..
أين الشظية التي أصابته ..
سأنتزعها وأضعها في كبــــدي بــــدلاً منه ..
بنيّ أجبني .. سأقتلهم جميعاً يا ولدي .. لا تخف ..
أجبني يا صالح ..
صرخ أبو صالح وبكي .. غير أنه لم يسمع سوي صدي صوته ..
ونحيـــب الأم الثكــــلي علي ولدهـــا ...
..........
"زغاريــد وأفراح فــــوق الجـــدار"
(( كيف سأخبر أهلي ؟؟ .. هل سيقتنعون ؟؟ .. ماذا عن أهلها ما موقفهم لا زلت طالباً ؟؟ ))
أسئلة كثيرة دارت في رأس عثمـــان .. بعد أن اختار شريكة حياته .. وقرر أن يتزوج ..
كان عثمان يدرس في السنة الثالثة بالجامعة .. وهي تصغره بعامين ..
سأل عنها فعلم أنها تسكن في القرية المجاورة لقريته
لكن كيف سيوافق الأهل علي زواجه دون أن ينهي دراسته .. ويجد عملاً يعتاش به ..
أخيراً .. قرر عثمــان أن يخبر والده وأهله .. ويتوكل علي الله ..
وعند اجتماع العائلة مســـاءً .. قال عثمان : أنا قررت أن أتزوج .. وقد وجدت شريكة حياتي ..
قال والده : لا زلت طالباً يا بني .. لم العجلة .. كيف ستكون أسرة ..
أجابه عثمــان : لن أتزوج الآن يا أبي .. سأنهي دراستي وأجد عملاً ثم أتزوج ولكنها مجرد خطوبة ..
_ وماذا لو بقيت سنين دون عمل في ظل هذه الظروف الصعبة ..
وبعد محاورات طالت .. ومحاولات عدة . .نجح عثمان في اقناع الأهل وتذليل أولي العقبات أمامه ..
بقيت العقبة الثانية .. العروس وأهلها .. هل سيقبلون .. وكما كان يتوقع الجميع .. كان الرد هو الرفض
ولكن بعد محاولات ووساطات .. وافقت العائلة علي الخطوبة .. وكتب الكتاب ..
أيام قليلة مرت علي خطبة عثـــمان وسهـي .. وإذ بهما يفاجئان بشروع الاحتلال ببناء الجدار العازل ..
ما أصعبها من عقبة ..
أخذ السور يمتد ويعلو حتي أحاط بالقرية جميعها .. ومنع من دخولها والخروج منها الا عن طريق بوابة
وحيدة تفتح من الساعة السابعة صباحاً وحتي الثامنة .. ثم تعود لتفتح من الساعة الثالثة وحتي الرابعة عصراً ..
واصطدم حلم عثمان بالجدار .. بل أصبحت حياة أهل القرية جحيماً لا يطــاق ..
تخرج عثمان والتحق بالعمل بإحدي المؤسسات في طولكرم .. وجهز نفسه للزواج وحدد مع عروسه الموعد ..
وقبل الفرح بأيام فوجئوا بقرار جديد للاحتلال .. كاد أن يقضي علي حلمه وما خطط له ..
يقول القرار بمنع أي فلسطيني من دخول القرية إلا إذا كان من مواليدها ..
_ بعد كل هذه العقبات وبعد أن كدت أن أجني ثمر صبري يقهرني قرار الاحتلال ..
تردد علي ذهنه كلمات ذلك الأسير الفلسطيني من داخل السجون:
(( منعونا الطعام فأكثرنا الصيام ..حرمونا المنام فأطلنا القيـــام ..
ملؤوا بنا الخيـــام فحل التعارف والوئام ..
فرقونا فشوقونا .. وكل الحيل باءت بالفشل والسلام ختام ))
صمم عثمان في قرارة نفسه علي تحدي أولئك الأوغاد .. وفكر ماذا سيصنع .. هل يتزوج خارج قريته
ويستقر حيث يعمل
لكنه لن يستطيع توفير المصاريف تأجير بيت وأقساط زوجته التي لازالت طالبة بالجامعة ..
أشار عليه أحد رفاقه بتغيير مكان الإقامة في هوية زوجته استناداً إلي عقد الزواج ..
فوجد عثمان هذا الحل سهلاً .. لكن هل سينجح ..
وبالفعل تم تغيير مكان الإقامة .. لتصبح زوجته بقرار الإحتلال .. مواطنة من القرية ..
وجاء موعد الزفاف .. كيف سيتم الزواج وهذا الجدار يحيط بالقرية إحاطة السوار بالمعصم ..
رأي بعض الأهل أن يقام الفرح للعروس في بيتها .. قبل موعد الزفاف بيوم .. ثم يذهب عثمان يوم الزفاف
فيحضرها وقت فتح البوابة ..
عـــرس فلسطيني مع وقف التنفيــذ ..
لكن عثــمان اختــار الحياة في أقسي الظروف .. وبدأها بالتحدي .. وأصر علي أن يستمر علي ذات النهج ..
فأعد لفكرة .. رآها البعض جنونية .. قام عثمان بنصب خيــمة كبيــرة .. تعلـــوها الزيـــنة ..
داخل قريته خلف الجدار
وخيمــة أخـــري تقابلها في الجهة الأخري من الجدار .. لا يفصل بينهما سوي سور يحجب نور الشمس والهواء ..
دهش الجنود كثيرأ حينما علمـوا أنها خيمة فرح ..
وأرادوا إزالتها غير أن عثمان أقنعهم أنهم سيرفعوها بعد الزفاف ..
وراح الرجال في خيمتهم يزفون العريس ويهللون غير آبهين بالجنود المدججين بالسلاح ..
وفي خيمة النساء علت البهجة والزغاريد .. حتي حان موعد فتح البوابة .. في الساعة الثالثة عصراً ..
توجه عثمان إلي الجهة الأخري من الجدار ليزف إلي عروسه
ثم دخل هو وعروسه بعد الاطلاع علي هويتهما من قبل الجنود ..
رغم صيحـــات حراس البوابة المدججين بالسلاح ..
هنــا الفرح والألـــــم .. وهنا منبع الـــدروس والعبـــر ..
ولم ينس عثمــان أن يخط فوق الجدار تلك الكلمات ..

جداركم لن يمنع الفرح فينا .. كل جدرانكم
لن تمنع أزهارنا من التفتح في ربوع بلادنــا ..
_تمت_


الثلاثاء، 3 مارس 2009

هنا غزة .. هنا الحياة




هنا غزة .. هنا الحياة

كنت أسأل أحد الأطفال لم يتجاوز عمره الرابعة .. ائتني بكلمة تبدأ بحرف الجيم ..

فأجابني مباشرة وبتلقائية شديدة .. جنازة ..

دهشت كثيرا من هذه الاجابة ، ومع القسوة والألم التي تحمله في طياتها لكنه الواقع الذي يعيشه ويراه الأطفال هنا ،

تجدهم في جنائز الشهداء يملئون المكان دون وجل أو خوف ، يهتفون أو يحملون الرايات والأعلام ..

أهل غزة لا زالوا يسمعون أصوات دوي المدافع تكاد تصم آذانهم ،

لا زال أزيز الطائرات يروع قلوبهم ،

ومشاهد القتل البشع والدمار الرهيب شريط يتجدد كل يوم أمام عيونهم ..

الحرب علي غزة توقفت ، لكن ما خلفته من آثار علي أهلها حفرت في ذاكرتهم صورا لا تنسي ..

لقد أصبح الموت هو الحكاية الدائمة هنا ، تجده في كل مكان .. في البيوت والشوارع والمدارس والطرقات ..

آلاف البيوت تدمر فوق أصحابها ، وأخري يزف الشهداء إليها .. مئات الجرحي .. نقص في المياه .. في الغذاء .. في الكهرباء .. في الغاز .. في المال

ومع ذلك .. آلاف من المرابطين علي الحدود ، يلتحفون السماء ويفترشون الأرض ، شباب يتهافت علي الجهاد ..

يريدون وأد الحياة هنا .. ولكنها تنبض بقوة وتصرخ في وجوهم .. هنا الحياة

نعم هنا الحياة في قلوب أبناء هذه الأرض المباركة التي لا تعرف الخوف ، رغم حجم المأساة تجد الإبتسامة علي محياهم ..

زغاريد تخرج من حناجر الأمهات متحدية لوعة الفراق وشدة المصاب ..

هنا الحياة تراها في عيون أطفال تبكي .. ورضع تموت .. تتساءل بأي ذنب قتلت ؟ ، وأم ينفطر كبدها علي ما أصاب أولادها ، ولكن أنفاس رضيعها الذابلة تناديها .. أماه لا تقلقي .. لا تجزعي .. أماه اصبري وصابري هنا الحياة ..

تجدها في زوجة تودع زوجها تراه ينظر إلي أولاده نظرة يذوب منها كل الود والحنان ، فتثبته قائلة .. لا تخف إن الله معنا ..

هنا الحياة .. تجدها فيمن يتحرقون شوقا لأحبابهم ، ولكن حب الله أعظم .. ونداء الجهاد أعظم .. فثري الأرض العطشي تناديهم

وآهات الثكالي تقض مضاجعهم ..

هي الحياة رخيصة رغم غلاها .. وضيعة رغم زخرفها وبهرجها ... أرادوا أن يسحقوا روح الحياة فينا فأبينا إلا أن نرسمها


(( واذكروا اذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون ))

فيا من حرصت علي الموت ، كي توهب لك الحياة ..

صدقت ، هنا الحياة

_ أختكم في الله _