الخميس، 10 فبراير 2011

في سكون الليل ..

اتكـأ بيديه الواهنتين علي الفأس التي كان عمرها من عمره أو تزيد..
وأرسل نظرة بعيدة إلي حيث يمتد البصر في أفق السماء ..
وكانت الشمس تسكب خيوطها الحمراء علي وجه ذلك الشيخ .. لتكبسه جلالاً فوق جلال ..
ولتبدو حبات العرق فوق جبينه العريض .. كأنها تاج الحكمة ..
وقد رصع بالدم..
نظرت إليه وهو لا يزال علي صمته الرهيب الذي لازمه منذ الصباح ..
وحاولت عبثاً أن أتبين سبب سكونه وحزنه ..
وفجأة .. استدار نحوي ببطء ثم دفن عينيه في الأرض ..
وكأنه خاف أن أقرأ في عينيه سراً دفيناً .. يحاول اخفاؤه ..
ثم من وراء ما أخفته تجاعيد وجهه وبكلمات كادت أن تذوب علي شفتيه قبل خروجها ..
وبصوت كموج البحر المتلاطم يعلو تارة ويخبو أخري ...
قال : في مثل هذا اليوم يا بني وفي نهاره الذي كان أحلك من سواد الليل ..
جاءوا ليسلبوا منك ذلك البيت .. وأشار بيده نحو بيت بعيد ينبعث منه الضوء
وتابع بقوله : لم يبق لدينا سوي الارادة والأمل وحبنا للأرض ..
تلك المعاني التي تحولت إلي اصرار وعزيمة علي أن نسترد كل شبر من الأرض ..
والتقط أنفاسه وهو ينظر إليّ وعيناه تشعان بفخر ممزوج بغير قليل من الأسي ..
وأطرقت برأسي واستدرت تاركاً جدي ..
سرت نحو بيتنا الصغير بخطي مضطربة .. والسكون يلفني بصمته العميق
ولم يبدد السكون إلا وقع أقدامي تتعثر بحصي الطريق .. وتوقفت فجأة علي صوت طرق مسمعي
وكأنه صوت جدي .. ركضت إلي حيث تركته محملقاً في الأرض وعلني أسمع ذاك الصوت ثانية..
جلست علي الارض وهدأ كل شيء حولي
كان صوت حفيف اوراق الشجر يعزف علي أوتار الليل لحناً غريباً حزيناً ..
وفجأة رأيت شبحاً علي البعد يترنح ذات اليمين وذات الشمال كالثمل ,,
يا إلهي .. من هذا .. انه جدي ..
وصرخت ما بك يا جدي .. لم يرد بل رأيته يعانق الأرض بحنان ..
قمت إليه مسرعاً وهو ملقي علي الأرض وأصابعه مغروسة في ثراها ..

كأنها جذور الزيتون ,....... تحضن اعماق التراب ..
كشمعــة مضيئة لم تنطفئ .. لقـد قضـي نحبــه ..


تأملته وما تزال تجاعيد وجهه تحكي كل منها قصة شعب بطــل .. لا تثنيه الرياح ..
ولم يخفض هـامتــه .... لغيـــر الله عـــز وجــل ....


ليست هناك تعليقات: